Log in to access the full details
or Sign up if you are not a registered user
 
 
سكّة بين «السنّة» و«الشيعة» قبل أن يفوتنا القطار
 
 

 

بعد مقالة «قدّيسون، أبطال، خونة ومطاران» (العدد رقم 42)، كتب أحد أحفاد آل سيفا من عكار مؤكّداً أن العائلة لا تزال موجودة لكن بأسماء مختلفة، شاكراً نفي تهمة العمالة عن أجداد العائلة أو على الأقلّ التشكيك بجدّيتها، ومؤكّداً أن «الحقيقة» تشير إلى «عمالة» فخر الدين الذي يبدو، رغم زواجه عنوة بابنتهم، لم تصبه «جرثومة» الوطنية. وفي انتظار أن يتّصل أحد أحفاد فخر الدين ردّاً على حفيد آل سيفا، وجبت الزيادة في الشرح نحو آفاق أخرى أكثر عصرية.

 

كانت الشهرية قد ذكرت أن لبنان 2007 قد يشهد «قيامة» أو «قعود» أو «نهاية» رئيسين للجمهورية وبرلمانين ووزارتين، فما الغرابة إذا كان لدينا مطاران، واحد في بيروت وآخر في عكار؟ إن «المخطِّط» الجيد سيسعى حكماً إلى تدعيم حكمه عبر إيجاد بدائل، وخاصّة بعد أن شهد السهولة التي تمّ فيها إغلاق مطار بيروت في 23 كانون الثاني 2007. وإذا كان عصر الاتصالات والمواصلات انتقل تدريجياً من السفينة والعربة إلى القطار والطائرة، فنحن في العالم العربي انتقلنا فوراً من الجمل والحصان إلى القطار. وقد قام لورنس «العرب» بتلغيم خط سكّة حديد قطار الحجاز بعد أن صادق الملك فيصل الأول. نحن اليوم في عصر الطائرة وتجاوزنا الحاجة لسكّة الحديد؛ فسكّة حديد من عكار «السنّية» إلى صور «الشيعية» تبدو عصيّة على الحكومة ومن شأنها إثارة المشاكل، أما مطار في بيروت وآخر في عكار فمن شأنه «تدعيم» أواصر القربى.

 

وحتى نأخذ حذرنا في حال سوّلت لأحدهم نفسه أن يشيد سكّة حديدية، يمكننا العودة إلى لورنس الذي أعطى إرشاداته حول أفضل الأساليب في تلغيم سكّة حديد الحجاز ومن رأس بعلبك إلى الصحراء العربية.

 

«... فاتّجهت غرباً إلى رأس بعلبك في العاشر من حزيران وقمت بتفجير عارضة صغيرة. وكان التأثير على المرور ضعيفاً جداً بيد أن متاولة بعلبك تحمّسوا جداً وأنا فعلت ذلك من أجل إثارتهم. ولقد اكتشفنا أن صوت انفجار الديناميت هو الخطوة الأكثر فعالية لإثارة البلبلة. وبعد تجارب طويلة وجدنا الوسيلة الأرخص والأكثر فعالية لتفجير سكك حديدية».

 

هكذا، وقبل احتلال جورج بوش للعراق بصمت إيراني وبالتحالف مع بعض القادة الشيعة فيه، سبقه لورنس إلى فحص مدى استعداد الشيعة (المتاولة) في رأس بعلبك، على سبيل المثال، للثورة على تركيا «السنّية» التي ميّزت ضدّهم.

 

ومنذ ذلك الحين، لم يقم الملوك والرؤساء العرب، من أصدقاء لورنس السابقين واللاحقين وحتى المغالين بالقومية العربية وبالإسلام من «أعدائه»، بأية مساعي جدّية لإعادة سكّة حديد الحجاز (أو سكك حديد أخرى) إلى العمل، ولم يقوموا بإرساء بنية اجتماعية وسياسية لدولة عصرية.

 

لقد كنا ولا نزال أوفياء لتركة لورنس العرب.

وقد قام عالم الآثار هذا، الجاسوس الثائر الكاتب، بانتقاد حكومته بخصوص العراق.

 

«إن الإنكليز أُرسلوا إلى بلاد ما بين النهرين ووقعوا في فخٍ لن يكون من السهل الهروب منه بكرامة وشرف. لقد خُدِعوا من خلال حجب دائم للمعلومات. فالبيانات التي تصدر من بغداد تصل متأخّرة ومنافقة وغير كاملة. تمّ توزيع إعلان جديد عن الحكم الذاتي صادراً من بغداد.

 

نقول إننا في بلاد ما بين النهرين لإنماء المنطقة لصالح العالم. إلى متى سيستمرّ قتل عشرات آلاف القرويين وأهل الضيع هذا الصيف بإعاقة إنتاج القمح والقطن والزيت؟ إلى متى سنظلّ نسمح بالتضحية بملايين الباوندات وآلاف الجنود البريطانيين وعشرات الآلاف من العرب نيابةً عن شكل من أشكال الإدارة الاستعمارية التي لا تخدم إلا أربابها؟»

 

ولكن أحداً من أصدقائه الملوك والرؤساء السابقين واللاحقين العرب لم يجرؤ (وحتى لتاريخه) على أن يوجّه ولو «نقداً بناءً» إلى الحكومات البريطانية.

لقد كنا ولا نزال أوفياء لتركة لورنس العرب.  

 

وكذلك انتقد حكومته بخصوص سايكس-بيكو:

«في الحقيقة، هذه الاتفاقية لا تساوم على المستقبل السياسي للمحافظات العربية فحسب، بل أيضاً تعرّض السلام في الشرق الأدنى والأوسط للخطر وستؤدّي إلى فوضى محلّية خطيرة والتي يوافق الجميع أنها ستنتشر في كردستان وبلاد ما بين النهرين وفلسطين وربما في أنحاء العالم العربي».  

 

وحتى عندما أعرب لورنس العرب عن شكوكه حول الأسباب الجوهرية الجغرافية لاتفاقية سايكس-بيكو، كان همّ الساسة في هذه البلدان، وحتى المغالين في إسلامهم و«سنّيتهم»، تأكيد مواقعهم في الدول المنشأة حديثاً.

 

لقد كنا ولا نزال أوفياء لتركة لورنس العرب.

 

أما في ما يتعلّق بوعود بريطانيا فقد قدّم لورنس اعتذاراً:

«كتب لورنس أن الحكومة البريطانية جعلته يصدّق أنها قصدت الالتزام بوعودها إلى العرب، وأنه بسبب اقتناعه بذلك قام بتشجيع العرب. وتمنّى أن يقول للعرب وللشعب البريطاني أنه أسف لما فعله لأنه من الواضح أن الحكومة لم تكن تنوي أن تلتزم بالوعود التي سمحت له أن يقوم بها إلى العرب».

 

ولكن أحداً من أصدقائه الملوك والرؤساء العرب السابقين واللاحقين لم يجرؤ (وحتى لتاريخه) أن يقرأ هذا الاعتذار.

 

لقد كنا ولا نزال أوفياء لتركة لورنس العرب، قبل اعتذاره فقط.

 

وما علاقة هذا بمطار آل سيفا في عكار؟

لم تكن المسألة في الماضي قومية عربية ضدّ خلافة إسلامية ولا إسلام بوجه الشيوعية، بل مصالح تتمظهر بإيديولوجيات فتؤسّس لحروب وجروح لا تندمل. وهي اليوم ليست بين «سنّة» و«شيعة»، بل حفلة تنكّر عنيفة جديدة تذكّرنا بلورنس. فالبلد الذي يعجز عن بناء سكّة حديدية بين عكار وبيروت لن يقدر على تحمّل مطارين. وغداً حين تبرز جغرافيا الكانتونات وتتغيّر التحالفات، قد يكون هناك حاجة لمطار ثالث «تدعيماً للسلم الأهلي»، ولكننا لن نشهد قطاراً من حلبا إلى صور. وإن وجدت هذه السكّة فوصفة تلغيمها كتبها لورنس السكوتلندي، الإنكليزي، الأيرلندي، الدورسيتي، العربي. وهذه الوصفة قرأها الجميع. ولكن أحداً من هؤلاء الملوك والرؤساء العرب، أصدقاء لورنس السابقين واللاحقين (ولتاريخه)، لم يقرأ أو لم «يعرف» أن السيد بلفور «نسي» أن يدعوَ ممثّل الحجاز (الملك فيصل الأول وهو أحد أحفاد رسول الله و«قاهر» تركيا العثمانية وصديق الإنكليز الأول والموقّع مع حاييم وايزمن اتفاقية لإنشاء موطن لليهود في فلسطين) إلى مائدة المفاوضات في باريس في الثامن عشر من كانون الثاني 1919. التقاه لورنس هناك وهو «يتجوّل في أرجاء الفندق الساعة الثانية صباحاً»... متسائلاً عن مكانه ومكانته بين من خيّل له أنهم أصدقاء. إنه الفراغ تملأه تركيا وإسرائيل وإيران (وامتداداتهم غرباً وشرقاً) بعد أن أحدثته شبكة المصالح الدولية مع أنظمة عربية تستدعي الدعم الخارجي لتستمرّ.

 

وهكذا، لا تزال قصة نهاية فيصل واعتذار لورنس سرّاً يعرفه جيداً جمال باشا وبلفور وجورج بوش وصدام حسين وأحمدي نجاد ويجهله كثيرون في «الموالاة» و«المعارضة». قريباً سيفوتنا القطار جميعاً وما من فندق ولا بهو ولا وطن.

 

المصدر: «رسائل لورنس العرب» - 1938

 

جواد نديم عدره

 

 
Print Article
                       
 
 
 
 
 
 
Arabic Version Arabic Version